ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )
65
الامامة والسياسة
بعد الوليد سليمان ، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان ، فبايع الحجاج لهما بالعراق ، فلم يختلف عليه أحد ، وبويع لهما بالشام ومصر واليمن ، وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل ، وهو عامله على المدينة ، أن يأخذ بيعة أهل المدينة ، فلما أتت البيعة لهما ، كره ذلك سعيد بن المسيب ، وقال : لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحدث منهما " فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري ، فقال : إني مشير عليك بثلاث خصال ، اختر أيها شئت . قال : وما هي ؟ قال له : إنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل ، فلو غيرت مقامك ؟ قال : ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل . قال : فثانية . قال : وما هي ؟ قال : أخرج معتمرا ، قال سعيد : ما كنت لأجهد نفسي ، وأنفق مالي في شئ ليس لي فيه نية . قال له : فثالثة ، قال : وما هي ؟ قال : تبايع للوليد ، ثم لسليمان ، قال سعيد : أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي ؟ قال : وكان عبد الرحمن هذا أعمى . قال : فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة ، وكان ابن عم سعيد بن المسيب ، فلما علم بذلك القرشيون ، أتوا هشاما فقالوا له : لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه ونخوفه القتل ، فعسى به أن يبايع ويجيب . قال : فاجتمع القرشيون ، فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس . فقالوا له : اذهب إليه ، فخوفه القتل ، وأخبره أنه مقتول ، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس . فجاءه مولاه ، فوجده قائما يصلي في مسجده ، فبكى مولاه بكاء شديدا ، قال له سعيد : ما يبكيك ويحك ! قال : أبكي مما يراد بك . قال له سعيد : وما يراد بي ، ويحك . قال : جاء كتبا من عبد الملك بن مروان ، إلى هشام بن إسماعيل ، إن لم تبايع وإلا قتلت ، فجئتك لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع . فقال له سعيد : لا أم لك قد وجدتني أصلي في مسجدي ، أفتراني كنت أصلي ولست بطاهر ، وثيابي غير طاهرة ! وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي ، فما كنت لأوخر عهدي بعد ما حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شئ يوصي به إلا ووصيته مكتوبة " ( 1 ) ، فإذا شاؤوا فليفعلوا ، فإني لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام . قال :
--> ( 1 ) الحديث رواه البخاري في الوصايا ( 1 ) ومسلم في الوصية ( 1 ) وأبو داود في الوصايا ( 1 ) والترمذي في الجنائز ( 5 ) والوصايا ( 3 ) والنسائي في الوصايا ( 1 ) وابن ماجة في الوصايا ( 2 ) وأحمد في المسند 2 / 4 ، 10 ، 50 ، 57 ، 80 .